يزيد بن محمد الأزدي

682

تاريخ الموصل

--> - بمال وتقدم إلى الفضل بن مروان في إعطائه ذلك فلم يعطه الفضل ما أمر به المعتصم فبينا الهفتى يوما عند المعتصم ، بعدما بنيت له داره التي ببغداد واتخذ له فيها بستانا قام المعتصم يتمشى في البستان ينظر إليه وإلى ما فيه من أنواع الرياحين والغروس ومعه الهفتى ، يصحب المعتصم قبل أن تفضى الخلافة إليه فيقول - فيما يداعبه - : والله لا تفلح أبدا ، قال : وكان الهفتى رجلا مربوعا ذا كدنة والمعتصم رجلا معرقا خفيف اللحم ، فجعل المعتصم يسبق الهفتى في المشي فإذا تقدمه ولم ير الهفتى معه التفت إليه ، فقال له : ما لك لا تمشى ؟ ! يستعجله المعتصم في المشي ليلحق به ، فلما كثر ذلك من أمر المعتصم على الهفتى قال له الهفتى : مداعبا له : كنت - أصلحك الله - أراني أماشى خليفة ، ولم أكن أراني أماشى فيجا ، والله لا أفلحت . فضحك منها المعتصم وقال : ويلك ! هل بقي من الفلاح شيء لم أدركه أبعد الخلافة تقول هذا لي ؟ ! فقال له الهفتى : أتحسب أنك قد أفلحت الآن ؟ ! إنما لك من الخلافة الاسم والله ما يجاوز أمرك أذنيك ، وإنما الخليفة الفضل بن مروان الذي يأمر فينفذ أمره من ساعته ، فقال له المعتصم : وأي أمر لي لا ينفذ ؟ فقال له الهفتى : أمرت لي بكذا وكذا منذ شهرين فما أعطيت مما أمرت به منذ ذاك حبة ، قال : فاحتجنها على الفضل المعتصم حتى أوقع به ، فقيل : إن أول ما أحدثه في أمره حين تغير له أن صير أحمد بن عمار الخراساني زماما عليه في نفقات الخاصة ، ونصر بن منصور بن بسام زماما عليه في الخراج وجميع الأعمال ، فلم يزل كذلك وكان محمد بن عبد الملك الزيات يتولى ما كان أبوه يتولاه للمأمون من عمل المشمس والفساطيط وآلة الجمازات ويكتب على ذلك مما جرى على يدي محمد بن عبد الملك وكان يلبس إذا حضر الدار دراعة سوداء وسيفا بحمائل فقال له الفضل بن مروان : إنما أنت تاجر فما لك وللسواد والسيف ؟ ! فترك ذلك محمد فلما تركه أخذه الفضل برفع حسابه إلى دليل بن يعقوب النصراني فرفعه فأحسن دليل في أمره ولم يرزأه شيئا ، وعرض عليه محمد هدايا فأبى دليل أن يقبل منها شيئا ، فلما كانت سنة تسع عشرة ومائتين - وقيل : سنة عشرين ، وذلك عندي خطأ - خرج المعتصم يريد القاطول ويريد البناء بسامرا فصرفه كثرة زيادة دجلة فلم يقدر على الحركة فانصرف إلى بغداد إلى الشماسية ثم خرج بعد ذلك فلما صار بالقاطول غضب على الفضل بن مروان وأهل بيته في صفر وأمرهم برفع ما جرى على أيديهم وأخذ الفضل - وهو مغضوب عليه - في عمل حسابه فلما فرغ من الحساب لم يناظر فيه وأمر بحبسه وأن يحمل إلى منزله ببغداد في شارع الميدان ، وحبس أصحابه وصير مكانه محمد بن عبد الملك الزيات فحبس دليلا ، ونفى الفضل إلى قرية في طريق الموصل يقال لها : السن ، فلم يزل بها مقيما فصار محمد بن عبد الملك وزيرا كاتبا ، وجرى على يديه عامة ما بنى المعتصم بسامرا من الجانبين الشرقي والغربى ، ولم يزل في مرتبته حتى استخلف المتوكل فقتل محمد بن عبد الملك . وذكر أن المعتصم لما استوزر الفضل بن مروان حل من قبله المحل الذي لم يكن أحد يطمع في ملاحظته ، فضلا عن منازعته ولا في الاعتراض في أمره ونهيه وإرادته وحكمه ، فكانت هذه صفته ومقداره حتى حملته الدالة وحركته الحرمة على خلافه في بعض ما كان يأمره به ومنعه ما كان يحتاج إليه من الأموال في مهم أموره فذكر عن ابن أبي دؤاد أنه قال كنت أحضر مجلس المعتصم فكثيرا ما كنت أسمعه يقول للفضل بن مروان احمل إلى كذا وكذا من المال ، فيقول : ما عندي ، فيقول : فاحتلها من وجه من الوجوه ، فيقول : ومن أين أحتالها ، ومن يعطيني هذا القدر من المال وعند من أجده ؟ ! فكان ذلك يسوءه وأعرفه في وجهه ، فلما كثر هذا من فعله ركبت إليه يوما فقلت -